قد يأتي إليّ وأنا متعب، أو منشغل، أو لا أرغب إلا في أن أجلس قليلًا دون أن يطلب مني أحد شيئًا. في تلك اللحظة يبدأ الصراع المعتاد؛ أأقول له: «ليس الآن»، أم أنهض معه؟
وأعترف أن الكسل ينتصر أحيانًا.
لكن هناك فكرة لا تفارقني كلما اعتذرت له أو أجّلت طلبه.
أخشى اليوم الذي يتوقف فيه عن الطلب.
ليس لأنه كبر، ولا لأنه لم يعد يحب اللعب أو الخروج، بل لأنه تعلّم أن بعض الطلبات تتأخر، وأن بعض الوعود لا تتحقق.
أظن أن الطفل لا يتوقف عن السؤال فجأة. يحدث ذلك بهدوء، بعد مرات كثيرة سمع فيها: «لاحقًا»، و«غدًا»، و«إذا فضيت». حتى يأتي يوم لا يعود فيه يسأل، ليس لأنه لم يعد يريد، بل لأنه لم يعد يتوقع.
وهذا ما يخيفني.
أخشى أن أفرح يومًا بهدوئه، ثم أكتشف أن ذلك الهدوء لم يكن نضجًا، بل استسلامًا صغيرًا لم أنتبه إليه.
لهذا أحاول، قدر استطاعتي، أن ألبي طلباته، ليس لأن كلَّ طلبٍ يجب أن يُلبَّى، ولا لأنني أب لا يرفض، بل لأنني لا أريده أن يعتاد أن يكون طلبه عندي مؤجلًا دائمًا.
أعرف أنني سأقصر. سأكون متعبًا أحيانًا، ومشغولًا أحيانًا أخرى، وسأؤجل بعض الأشياء، فهذا جزء من الحياة.
لكن ما لا أريده حقًا هو أن أصل إلى يوم لا يعود فيه يقول:
«أبي، نذهب إلى البحر؟»
أو يقول:
«أبي، تعال نلعب.»
ليس لأن رغبته انتهت، بل لأنه أصبح يعرف جوابي قبل أن يسأل.
ربما لا يدرك الآباء أن إلحاح أطفالهم، الذي يرهقهم أحيانًا، هو في الحقيقة علامة ثقة. فالطفل لا يكرر طلبه إلا لأنه يظن أن أباه قد يوافق في النهاية.
وأرجو أن يبقى ابني يطلب مني طويلًا.
فما دام لا يزال يطلب، فما زالت بيننا مساحة من الثقة، وأرجو ألا أضيعها.